محمد حسين الذهبي

564

التفسير والمفسرون

( يبخل البخيل بماله ، ويجهد نفسه في جمعه وكنزه ، وتعرض له وجوه البر فيعرض عنها ، ولا ينفق درهما في شئ منها ، فيؤذى بذلك وطنه وملته ، ويترك الشر والفقر يأكل قومه وأمته ، ولو نظرنا إلى ما قبض يده لوجدناه ضعف الصبر ، ولو صبر على محاربة خيال الفقر اللائح في ذهنه يهدده بالنزول به ، لما أصيب بذلك المرض القاتل له ولأهله ) . ( يسرف المسرف في الشهوات ، ويتهتك المتهتك في المنكرات ، حتى ينفد المال ، وتسوء الحال ، ويستبدل الذل بالعز ، والفقر بالغنى ، ولا سبب لذلك إلا ضياع صبره في مقاومة الهوى . وضبط نفسه عن مواقع الردى ، ولو صبر في مجاهدة تلك النزعات لما كان قد خسر ماله ، وأفسد حاله . . . وهكذا لو أردت أن أعد جميع الرذائل ، وأبحث عن عللها الأولى ، لوجدتموها تنتهى إلى ضعف الصبر أو فقده . ولو سردت جميع الفضائل وطلبت ينبوعها الذي تستمد منه حياتها لما وجدت لها ينبوعا سوى الصبر . أفلا يكون جديرا بعد هذا بأن يخص بالذكر ؟ « 1 » ) اه . ثم يبين بعد ذلك وسائل الدعوة إلى الخير فيقول : ( . . . يجب على العلماء ومن يتشبه بهم ، أن يتعلموا من وسائل القيام بالواجب ما تدعو إليه الحال ، على حسب الأزمان واختلاف أحوال الأمم ، وأول ما يجب عليهم في ذلك أن يتعلموا التاريخ الصحيح ، وعلم تكوين الأمم ، وارتفاعها وانحطاطها ، وعلم الأخلاق وأحوال النفس ، وعلم الحس والوجدان ، ونحو ذلك مما لا بدّ منه في معرفة مداخل الباطل إلى القلوب ، ومعرفة طرق التوفيق بين العقل والحق ، وسبل التقريب بين اللذة والمنفعة الدنيوية والأخروية ، ووسائل استمالة النفوس عن جانب الشر إلى جانب الخير ، فإن لم يحصلوا على ذلك كله فوزر العامة عليهم . ولا تنفعهم دعوى العجز ؛ فإنهم ينفقون من أزمانهم في القيل والقال ، والبحث في الألفاظ والأقوال ، ما كان يكفيهم أن يكونوا بحار

--> ( 1 ) مجموعة تفسير الفاتحة وست سور من خواتيم القرآن ص 87 - 89 .